حملت وانا مش

قصة بيت عمتي حين دفنت الأسرار في الجدران

لمحة نيوز

ركنت في الثانية والعشرين حين اتصلت بي عمتي نجلاء لأول مرة منذ سنوات بصوت بدا عليه الضعف والحنين. قالت لي بهدوء
تعال يا كريم أحتاجك في أمر لا يحتمل التأجيل.
لم تكن علاقتي بعمتي قوية فقد كانت دائما غامضة ومنعزلة في بيتها القديم على أطراف القرية البيت الذي يقول عنه الناس إنه يسكنه الماضي. رغم ترددي قررت الذهاب. ربما من باب الواجب أو ربما من باب الفضول.
حين وصلت وجدت الباب الخشبي العتيق مفتوحا كأنه ينتظرني. كان البيت يعبق برائحة الزمن وأصوات الريح تمر بين النوافذ المتهالكة كأنها أنين قديم. استقبلتني عمتي بابتسامة خافتة لكن عينيها كانتا تقولان أكثر مما تنطق به شفتيها.ش
جلست أمامها لاحظت أنها تغيرت كثيرا بدت شاحبة كمن يحمل هم سنوات. قالت لي بعد صمت ثقيل
كريم

أريدك أن تبقى هنا الليلة هناك أمر يجب أن تعرفه.
لم أسألها لكن شيئا في نبرتها جعل قلبي يخفق بقوة. كانت تتحدث وكأنها تخشى أن يسمعها أحد. وبعد العشاء أخذتني إلى غرفة في نهاية الممر وقالت لي
هذه الغرفة لم يدخلها أحد منذ رحيل عمك.
تقدمت بخطوات مترددة أضاءت شمعة صغيرة فانكشفت لي ملامح الغرفة القديمة جدران باهتة وستائر رمادية وصورة كبيرة لعمي حسام على الجدار يبتسم فيها ابتسامة غامضة.
قالت عمتي بصوت مرتجف
في هذه الغرفة بدأت الحكاية وهنا أيضا انتهت.
ثم جلست على الكرسي الخشبي وكأنها تستعد للاعتراف. روت لي كيف كان زوجها يعيش في عزلة تامة عن الناس بعد وفاة ابنهما الوحيد. كانت تسمع في بعض الليالي أصواتا غريبة خطوات في الممر وحركة في الغرفة رغم أن لا أحد يسكنها.
حاولت تجاهل الأمر لكن في إحدى الليالي سمعت الباب يفتح وحده ووجدت الصورة المعلقة على الجدار مقلوبة رأسا على عقب.
ابتسمت ظنا أنها مجرد أوهام لكن حين أخبرتني أن أحدا كان يطرق الباب كل ليلة عند الثانية بعد منتصف الليل ثم يختفي بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي.
في تلك الليلة قررت أن أبقى لأرى بنفسي. جلست في الغرفة المقابلة أراقب الممر بصمت. ومع اقتراب الساعة من الثانية سمعت بوضوح طرقات ثلاث على الباب. نهضت فورا فتحت لكن لم يكن هناك أحد. فقط هواء بارد دخل إلى صدري كطعنة خفيفة.
حين عدت إلى الغرفة وجدت عمتي تقف أمام صورة عمي تهمس كأنها تخاطبه
كفاك عتابا لقد سامحتني.
اقتربت منها بخوف وسألتها
تسامحينه على ماذا
فأجابت بعينين دامعتين
على أني أخفيت الحقيقة عنك وعن الجميع
هو لم يمت ميتة طبيعية يا كريم.
تجمدت مكاني بينما تابعت بنبرة مكسورة
قبل سنوات حين فقدنا ابننا انهار حسام تماما. لم يحتمل الحزن وذات ليلة خرج من البيت ولم يعد. قالوا إنه سافر لكني كنت أعلم أنه لم يغادر أبدا.
أشارت بيدها إلى الجدار خلف الصورة ثم قالت
هناك سر مدفون هنا.
اقتربت بحذر أزحت الصورة فوجدت خلفها تجويفا صغيرا في الحائط وداخله صندوق خشبي قديم. فتحته بيدي فوجدت بداخله رسائل بخط عمي كتب فيها عن حزنه وعن نيته في الرحيل عن الدنيا.
حين قرأت السطور الأخيرة شعرت بأن الجدران نفسها تبكي.
في الصباح رحلت عمتي بهدوء وهي تبتسم كأنها كانت تنتظر أن أكتشف السر لأحررها من عذاب الصمت.
خرجت من بيتها القديم وأنا أحمل الصندوق بين يدي وأشعر بأن كل بيت قديم يخفي خلف
جدرانه حكاية لم ترو بعد.

تم نسخ الرابط