نيبال
نيبال
راسوا تتحول إلى واحدة من أكثر المناطق تضررًا
تقع راسوا في منطقة جبلية شديدة الحساسية للانهيارات والفيضانات المفاجئة، وتضم طرقًا وممرات ومناطق سياحية ومشروعات للطاقة، إضافة إلى مرافق مرتبطة بالمعبر الحدودي بين نيبال والصين.
ومع وصول المياه والحطام بسرعة كبيرة، تعرضت مناطق مثل تيموري وسيافروبيسي لأضرار واسعة.
وجرفت المياه عددًا من المركبات والمنشآت، كما لحقت أضرار بالطرق والجسور ومرافق الكهرباء ومشروعات الطاقة الكهرومائية.
وبحسب أحدث البيانات، تضرر 35 جسرًا للمركبات و45 جسرًا للمشاة، إضافة إلى نحو 40 كيلومترًا من الطرق.
وهذه الأضرار لم تؤد فقط إلى خسائر مادية، وإنما جعلت عمليات الوصول إلى بعض المناطق المنكوبة أكثر صعوبة، وهو ما يعقد مهمة فرق الإنقاذ ويؤخر الوصول إلى بعض المفقودين.
826 مفقودًا.. والرقم يتغير مع استمرار الحصر
من أكثر الجوانب المأساوية في الكارثة ارتفاع عدد الأشخاص الذين ما زالوا خارج نطاق الاتصال.
وأحدث الأرقام الرسمية المنشورة في 27 أغسطس تشير إلى وجود 826 شخصًا مفقودًا، بينهم سكان وعناصر أمن وعاملون في مشروعات الطاقة وسياح.
ومن بين المفقودين:
- 44 من أفراد الجيش النيبالي.
- 28 من أفراد الشرطة النيبالية.
- 13 من أفراد الشرطة المسلحة.
- مئات السياح النيباليين والأجانب.
- أشخاص كانوا يعملون أو يقيمون في المناطق التي ضربتها السيول.
وتشير بيانات هيئة السياحة النيبالية إلى أن عدد السياح الذين انقطع الاتصال بهم ارتفع بصورة كبيرة، مع وجود مئات الأجانب ضمن القوائم التي يجري التحقق منها.
وفي تحديث آخر، أعلنت هيئة السياحة أن 579 سائحًا ما زالوا خارج نطاق الاتصال، بينهم 466 أجنبيًا و113 نيباليًا.
وهذه الأرقام لا تعني أن جميع هؤلاء الأشخاص تأكدت وفاتهم، بل تعني أنهم لم يتم التواصل معهم أو تحديد أماكنهم حتى لحظة إصدار البيانات، ولذلك لا بد من التمييز بين المفقودين والمتوفين.
أجانب من دول عديدة ضمن قوائم المفقودين
اكتسبت الكارثة اهتمامًا دوليًا واسعًا بسبب وجود عدد كبير من المسافرين والسياح في المنطقة.
وتضم قوائم الأشخاص الذين انقطع الاتصال بهم مواطنين من دول مختلفة، من بينها الهند والولايات المتحدة وأوكرانيا وأستراليا وبريطانيا وكندا وماليزيا ودول أخرى.
وفي تحديثات سابقة، أعلنت السلطات السياحية أرقامًا أقل للمفقودين من السياح، قبل أن ترتفع الأرقام مع وصول بيانات جديدة من شركات السياحة والجهات المحلية.
وهذا يفسر اختلاف الأرقام التي ظهرت في التقارير الإعلامية خلال الساعات الأولى من الكارثة؛ فعمليات الحصر في المناطق المنكوبة ليست فورية، خصوصًا مع انقطاع الاتصالات وتدمير الطرق والجسور.
هل اختفت قرية كاملة من الخريطة؟
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عبارات تقول إن "قرية كاملة اختفت من الخريطة"، وإن آلاف الأشخاص دفنوا تحت الطين، كما تداولت منشورات أخرى أرقامًا تصل إلى آلاف القتلى والمفقودين.
لكن حتى الآن لا توجد بيانات رسمية موثوقة تثبت أن قرية كاملة تضم 5 أو 10 آلاف شخص اختفت، أو أن عدد القتلى وصل إلى عدة آلاف.
المؤكد أن الدمار في بعض المناطق كان واسعًا للغاية، وأن عددًا من المنشآت والمباني والطرق والجسور تعرض للانجراف أو التدمير، لكن تقدير حجم الخسائر البشرية ما زال مستمرًا.
ومن الطبيعي في الكوارث الكبرى أن تتغير الأرقام خلال الساعات والأيام الأولى، خصوصًا عندما تكون مناطق كاملة معزولة بسبب انهيار الطرق وانقطاع الاتصالات.
هل كان هناك تحذير مسبق؟
تعد الفيضانات المفاجئة من أخطر الظواهر في المناطق الجبلية، لأنها قد تحدث خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، خصوصًا عندما يتشكل انسداد طبيعي في مجرى أحد الأنهار ثم ينهار بصورة مفاجئة.
وفي هذه الحالة، تشير التقارير الفنية إلى أن موجة المياه دخلت نهر بوتي كوشي من الجانب التبتي، ثم تحركت بسرعة باتجاه المناطق الواقعة أسفل المجرى.
وبحسب تقرير فني، وصلت معلومات عن دخول موجة فيضان ضخمة إلى نهر بوتي كوشي عند نحو الساعة 9:05 صباحًا، ثم واصلت المياه طريقها عبر بوتي كوشي ونهر تريشولي وصولًا إلى مناطق أبعد في اتجاه نهر ناراياني.
وهذا التسلسل يوضح كيف يمكن لحادث وقع في منطقة جبلية حدودية أن يمتد تأثيره إلى مناطق بعيدة عن نقطة البداية.
فرق الإنقاذ تبدأ مهمة شديدة الصعوبة
منذ وقوع الكارثة، بدأت فرق الجيش والشرطة وأجهزة الطوارئ عمليات بحث واسعة عن المفقودين.
وتواجه فرق الإنقاذ ظروفًا بالغة الصعوبة، بسبب:
- انهيار عدد من الطرق والجسور.
- تراكم الطين والصخور والحطام.
- صعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية.
- انقطاع أو ضعف الاتصالات في بعض المناطق.
- استمرار مخاطر السيول والانهيارات.
- اتساع نطاق المناطق المتضررة.
وأعلنت السلطات أن عمليات البحث مستمرة على ضفاف الأنهار وفي المناطق التي اجتاحتها المياه.
كما جرى استخدام المروحيات لإجلاء أشخاص من المناطق الأكثر تضررًا.
وبحسب أحدث البيانات، تمكنت طائرات الجيش النيبالي من إجلاء 123 شخصًا من منطقة تيموري، بينهم 94 نيباليًا و29 أجنبيًا.
165 وفاة حتى الآن.. والبحث عن المفقودين مستمر
بحلول 27 أغسطس، أعلنت الجهات الرسمية العثور على جثامين 165 شخصًا في المناطق المتضررة من فيضانات بوتي كوشي وتريشولي.
وتوزعت الجثامين التي تم العثور عليها على عدة مناطق، بينها تشيتوان ودهانغ ونوالباراسي الشرقية وغورخا ونواكوت وتاناهون وراسو وغيرها.
لكن الرقم النهائي للضحايا لا يمكن تحديده بعد، لأن عمليات البحث لم تنتهِ، ولا تزال السلطات تحاول تحديد مصير مئات الأشخاص الذين فقد الاتصال بهم.
ولهذا فإن أي منشور يعلن "العدد النهائي للضحايا" في الوقت الحالي يجب التعامل معه بحذر شديد.
لماذا كانت قوة المياه مدمرة إلى هذه الدرجة؟
الخطورة لا تكمن في المياه وحدها.
فالفيضانات الجبلية المفاجئة تحمل معها كميات ضخمة من الصخور والطين والأشجار وقطع الجليد والحطام.
وعندما تتحرك هذه المواد بسرعة كبيرة، تتحول المياه إلى كتلة شديدة القوة يمكنها تدمير المركبات والمنشآت والجسور خلال فترة قصيرة جدًا.
كما أن ضيق الأودية الجبلية يزيد من سرعة اندفاع المياه، إذ تتحرك السيول داخل ممرات محدودة ثم تتوسع فجأة عند وصولها إلى المناطق المنخفضة.
ولهذا فإن بعض المناطق قد تتعرض لموجة مائية شديدة خلال دقائق، دون أن يكون لدى السكان أو المسافرين وقت كافٍ للإخلاء.
الكارثة تعيد فتح ملف مخاطر الأنهار الجليدية
تسلط كارثة راسوا الضوء مجددًا على المخاطر التي تواجه المناطق الجبلية الواقعة على سفوح الهيمالايا.
فالمنطقة تضم أنهارًا جليدية وبحيرات جبلية وممرات شديدة الانحدار، ويمكن لانهيار كتلة جليدية أو صخرية أن يغير مجرى المياه أو يسد أحد الأنهار بصورة مؤقتة.
وفي حال انهيار هذا السد الطبيعي، يمكن أن تنطلق المياه المتجمعة خلفه في صورة موجة فيضان مفاجئة.
وكانت المنطقة نفسها قد شهدت في يوليو 2025 فيضانًا مفاجئًا في نهر بوتي كوشي، خلصت تقييمات سابقة إلى ارتباطه بانفجار بحيرة جليدية.
وهذا يجعل مراقبة الأنهار الجليدية والبحيرات الجبلية والانسدادات الطبيعية أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى سلامة السكان والمسافرين.
تحذير من المعلومات المضللة
مع انتشار صور ومقاطع الفيديو المروعة من موقع الكارثة، ظهرت أيضًا معلومات غير مؤكدة حول أعداد الضحايا وأسباب الفيضان.
ومن بين أكثر الادعاءات تداولًا أن آلاف السياح دفنوا تحت الطين، وأن السلطات تخفي العدد الحقيقي للضحايا.
لكن حتى الآن لا توجد أدلة موثوقة تثبت هذه الادعاءات.
كما أن وصف الزلزال بأنه "هزة بسيطة أدت وحدها إلى انفجار النهر" ليس دقيقًا؛ فالزلزال وقع فعلًا بقوة 4.4 درجة، لكن التقارير الفنية تشير إلى احتمال وجود سلسلة من العوامل المرتبطة بالانهيار الجليدي والحطام وانسداد مجرى المياه وتحرر المياه بصورة مفاجئة.
لذلك تبقى النتائج النهائية للتحقيقات الفنية مهمة لفهم ما حدث بدقة.
مأساة إنسانية تتجاوز الأرقام
خلف أرقام الوفيات والمفقودين توجد مئات العائلات التي تنتظر أخبارًا عن ذويها.
ومن بين المفقودين سكان محليون، وعناصر أمن، وعمال، ومسافرون وسياح قدموا إلى المنطقة لأغراض مختلفة، قبل أن تتحول الرحلة خلال دقائق إلى مأساة.
والأصعب أن بعض العائلات لا تعرف حتى الآن ما إذا كان أحباؤها قد تمكنوا من الفرار، أو تم إنقاذهم في منطقة أخرى، أو ما زالوا عالقين في المناطق المتضررة.
ولهذا فإن عمليات البحث لا تقتصر على العثور على الجثامين، وإنما تستهدف أيضًا تحديد أماكن الناجين وإعادة الاتصال بالأشخاص الذين فقد الاتصال بهم.
كارثة تذكّر بقوة الطبيعة
ما حدث في راسوا يمثل مثالًا واضحًا على مدى سرعة تحول الظروف الطبيعية في المناطق الجبلية إلى كارثة واسعة النطاق.
فخلال فترة قصيرة، انتقلت المنطقة من حالة طبيعية إلى سيول جارفة دمرت طرقًا وجسورًا ومنشآت وأوقعت عشرات القتلى وتركت مئات الأشخاص في عداد المفقودين.
ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، يبقى الأمل قائمًا في العثور على مزيد من الناجين، بينما تعمل السلطات على تقييم حجم الأضرار وإعادة فتح الطرق وتأمين المناطق المتضررة.
وفي الوقت نفسه، يظل السبب الدقيق للتسلسل الذي أدى إلى الفيضان محل دراسة فنية، رغم أن المؤشرات الحالية تربط الكارثة بانهيار جليدي أو كتلة من الحطام أدت إلى انسداد مجرى مائي ثم اندفاع المياه بصورة مفاجئة، بالتزامن مع تسجيل زلزال بقوة 4.4 درجة في المنطقة.
الخلاصة
كارثة نيبال ليست مجرد فيضان عادي؛ إنها حادثة طبيعية معقدة جمعت بين التضاريس الجبلية شديدة الانحدار، وانهيار الجليد والحطام، وانسداد مجرى مائي، ثم اندفاع مفاجئ للمياه عبر الأودية.
وبحسب أحدث الأرقام المتاحة، تم تسجيل 165 وفاة و826 شخصًا في عداد المفقودين، بينما لا تزال فرق الإنقاذ تعمل في المناطق المتضررة. كما أن 579 سائحًا ما زالوا خارج نطاق الاتصال وفق أحدث بيانات هيئة السياحة، بينهم مئات الأجانب.
ومع استمرار عمليات البحث، من المتوقع أن تتغير أرقام الضحايا والمفقودين خلال الساعات والأيام المقبلة، ولذلك تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأهم بعيدًا عن المنشورات التي تبالغ في أعداد الضحايا أو تقدم أسبابًا لم تثبتها التحقيقات بعد.
إنها كارثة قاسية تذكر الجميع بأن المناطق الجبلية، رغم جمالها وجذبها للسياح، يمكن أن تتحول في لحظات إلى مناطق بالغة الخطورة عندما تجتمع المياه والجليد والصخور والانهيارات الطبيعية.